الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
36
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
فإذا ابتدأ بعضهم بإظهار النقض اقتدى بهم الباقون ، فكان الناقضون أئمّة للباقين . وجملة : إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ تعليل لقتالهم بأنّهم استحقّوه لأجل استخفافهم بالأيمان التي حلفوها على السلم ، فغدروا ، وفيه بيان للمسلمين كيلا يشرعوا في قتالهم غير مطّلعين على حكمة الأمر به ، فيكون قتالهم لمجرّد الامتثال لأمر اللّه ، فلا يكون لهم من الغيظ على المشركين ما يشحّذ شدّتهم عليهم . ونفي الأيمان لهم : نفي للماهية الحقّ لليمين ، وهي قصد تعظيمه والوفاء به ، فلمّا لم يوفوا بأيمانهم ، نزلت أيمانهم منزلة العدم لفقدان أخصّ خواصّها وهو العمل بما اقتضته . وقرأ نافع ، وابن كثير ، وأبو عمرو ، ورويس عن يعقوب . أيمة بتسهيل الهمزة الثانية بين الهمزة والياء . وقرأ البقية : بتحقيق الهمزتين . وقرأ هشام عن عامر ، وأبو جعفر : بمدّ بين الهمزتين . وقرأ الجمهور لا أَيْمانَ لَهُمْ بفتح همزة أَيْمانَ على أنّه جمع يمين . وقرأه ابن عامر - بكسر الهمزة - ، أي ليسوا بمؤمنين ، ومن لا إيمان له لا عهد له لانتفاء الوازع . وعطف وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ عطف قسيم على قسيمه ، فالواو فيه بمعنى ( أو ) . فإنّه إذا حصل أحد هذين الفعلين : الذين هما نكث الأيمان ، والطعن في الدين ، كان حصول أحدهما موجبا لقتالهم ، أي دون مصالحة ، ولا عهد ، ولا هدنة بعد ذلك . وذكر طعنهم في دين المسلمين ينبئ بأنّ ذلك الطعن كان من دأبهم في مدّة المعاهدة ، فأريد صدّهم عن العود إليه . ولم أقف على أنّه كان مشروطا على المشركين في عقود المصالحة والمعاهدة مع المسلمين أن لا يطعنوا في الإسلام ، في غير هذه الآية ، فكان هذا شرطا عليهم من بعد ، لأنّ المسلمين أصبحوا في قوة . وقوله : فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ أمر للوجوب . وجملة لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ يجوز أن تكون تعليلا للجملة فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ أي قتالهم لرجاء أن ينتهوا ، وظاهر أنّ القتال يفني كثيرا منهم ، فالانتهاء المرجو انتهاء الباقين أحياء بعد أن تضع الحرب أوزارها . ولم يذكر متعلّق فعل يَنْتَهُونَ ولا يحتمل أن يكون الانتهاء عن نكث العهد ، لأنّ